ابن رشد

100

تهافت التهافت

العالم ، فليس هو عندهم من هذا الجنس ولا هو أيضا فاعل بمعنى الفاعل الذي في الشاهد لا ذو الاختيار ولا غير ذي الاختيار ، بل هو فاعل هذه الأسباب مخرج الكل من العدم إلى الوجود وحافظه على وجه أتم وأشرف مما هو في الفاعلات المشاهدة ، فلا يلزمهم شيء من هذا الاعتراض ، وذلك أنهم يرون أن فعله صادر عن علم ومن غير ضرورة داعية إليه لا من ذاته ولا لشيء من خارج ، بل لمكان فضله وجوده ، وهو ضرورة مريد مختار في أعلى مراتب المريدين المختارين ، إذ لا يلحقه النقص الذي يلحق المريد في الشاهد . وهذا هو نص كلام الحكيم أمام القوم في بعض مقالاته المكتوبة في علم ما بعد الطبيعة أن قوما قالوا : كيف أبدع اللّه العالم لا من شيء وفعله شيئا من لا شيء . قلنا في جواب ذلك : أن الفاعل لا يخلو من أن تكون قوته كنحو قدرته وقدرته كنحو إرادته وإرادته كنحو حكمته ، أو تكون القوة أضعف من القدرة والقدرة أضعف من الإرادة والإرادة أضعف من الحكمة ، فإن كانت بعض هذه القوى أضعف من بعض فالعلة الأولى لا محالة ليس بينها وبيننا فرق وقد لزمها النقص كما لزمنا ، وهذا قبيح جدا ، أو يكون كل واحد من هذه القوى في غاية التمام متى أراد قدر ومتى قدر قوي وكلها بغاية الحكمة ، فقد وجد يفعل ما يشاء كما يشاء من لا شيء ، وإنما يتعجب من هذا النقص الذي فينا . وقال كل ما في هذا العالم فإنما هو مربوط بالقوة التي فيه من اللّه تعالى ولولا تلك القوة التي للأشياء لم تثبت طرفة عين . قلت : الموجود المركب ضربان ضرب التركيب فيه معنى زائد على وجود المركبات وضرب وجود المركبات في تركيبها مثل وجود المادة مع الصورة ، وهذا النحو من الموجودات ليس يوجد في العقل تقدم وجودها على التركيب بل التركيب هو علة الوجود ، وهو متقدم على الوجود فإن كان الأول سبحانه علة تركيب أجزاء العالم التي وجودها في التركيب فهو علة وجودها ولا بد وكل من هو علة وجود شيء ما فهو فاعل له ، هكذا ينبغي أن يفهم الأمر على مذهب القوم إن صح عند الناظر مذهبهم . قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : كل موجود ليس بواجب الوجود بذاته بل هو موجود بغيره فإنّا نسمي ذلك الشيء مفعولا ونسمي سببه فاعلا ولا نبالي كان السبب فاعلا بالطبع أو بالإرادة كما أنكم لا تبالون أنه كان فاعلا بآلة أو بغير آلة إلى قوله كقولنا فعل وما فعل .